*200 دولار للبرميل، هكذا تنتصر إيران بالحرب* *جمال واكيم* منذ اندلاع الحـ.ـرب بين الولايات المتحدة وايران، برز سؤال جوهري و

عاجل

الفئة

shadow
*200 دولار للبرميل، هكذا تنتصر إيران بالحرب*

*جمال واكيم*

منذ اندلاع الحـ.ـرب بين الولايات المتحدة وايران، برز سؤال جوهري وهو المرتبط بمدى أكلاف هذه الحـ.ـرب واعبائها الاقتصادية على الولايات المتحدة. ولقد كان رهان الإيرانيين يقوم على أن لا تتمكن الولايات المتحدة من خوض حـ.ــرب طويلة؛ لأن هذه الحـ.ـرب ستؤدي الى ارتفاع أسعار النفط بما يؤثر سلباً على الاقتصاد الأميركي. لكن ماذا لو أن هذه الحـ.ـرب شكلت استثمارًا بمقدار ما بالنسبة للولايات المتحدة؟ وماذا لو كان ارتفاع أسعار النفط ولو ضمن سقف معين يصب في مصلحة الولايات المتحدة بما يجعل من هذه الحـ.ـرب استثمارًا مربحًا؟ وكيف يمكن أن تحول إيران هذه الحـ.ـرب الى مغامرة مكلفة اقتصاديًا بالنسبة للولايات المتحدة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة يجب علينا أن نعي حقيقة أن الولايات المتحدة، وخلافاً لما كان عليه الوضع في السبعينيات من القرن الماضي، تحولت من أكبر مستورد للنفط إلى أكبر مصدر له في ظل التحولات الكبرى التي شهدها قطـ.ـاع الطاقة الأميركي خلال العقدين الأخيرين. فبفعل الثـ.ـورة التكنولوجية التي أحدثت ثورة في مجال استخراج النفط والغاز الصخري، أصبحت الولايات المتحدة اكبر منتج للنفط بواقع 13.9 مليون برميل يوميًا، متفوقة على كل من روسيا والمملكة العربية السعودية، كذلك، فقد تحولت إلى مصدر رئيس للغاز المسال في العالم بالنسبة لكل من أوروبا وآسيا.
هذا التحول منح الولايات المتحدة قدرات جديدة على الصعيد الجيوسياسي. فهي لم تعد تعتمد على استيراد النفط كما كان الوضع في السبعينيات من القرن الماضي، بل باتت قادرة على استخدام النفط والغاز لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي. فامتلاك قطـ.ـاع إنتاجي يستفيد من ارتفاع أسعار النفط هو ما يفسر تحسن أدائها المالي خلال الآونة الأخيرة بما عزز قوة الدولار في مقابل الذهب وفي مقابل العملات الدولية الأخرى. والجدير ذكره أن الأزمة الأوكرانية دفعت بأوروبا للاستغناء عن النفط والغاز الروسيَّين والاعتماد على النفط والغاز الأميركي الأعلى سعرًا عدا عن اعتماد الدول الأوروبية على الولايات المتحدة بإمدادت السـ.لاح في ظل ارتفاع بموازنات الدفاع الأوروبية بشكل غير مسبوق لأول مرة منذ الحـ.ـرب العالمية الثانية.
بناء على ذلك، فإنه يمكن الاستنتاج بأن الحـ.ـرب ضد إيران تعد استثماراً مربحاً بالنسبة للولايات المتحدة. فمن ناحية، إن ارتفاع أسعار النفط شكل مكسباً كبيراً بالنسبة لشركات النفط الأميركية، علمًا أن كلفة استخراج النفط والغاز الأحفوري أعلى بكثير من كلفة استخراج النفط الخام، وهذا يجعل من مصلحة الولايات المتحدة رفع أسعار النفط العالمية. إضافة الى ذلك، فإن إبقاء حالة التوتر قائمة في منطقة مضيق هرمز يؤثر سلباً على إمدادات منطقة الخليج من النفط والتي تذهب بالدرجة الأولى إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، عدا عن أن الحـ.ـرب الدائرة دفعت بالعديد من الدول العربية إلى زيادة مشترياتها من السـ.لاح الأميركي، وهو ما يشكل عاملاً إضافيًا مربحاً بالنسبة للولايات المتحدة.
لكن يبقى هناك حدود للإفادة من الحـ.ـرب الحالية. فارتفاع أسعار النفط إلى حد لا يتجاوز المئة وخمسين دولارًا يبقى مفيداً للشركات الأميركية بالحدود التي لا يتجاوزها للإضرار بشكل كبير بمصالح الطبقة الوسطى والفقيرة الأميركية ويدفع الأمور إلى حد التمرد والعصيان. فارتفاع أسعار النفط بما يتخطى مئة وخمسين دولارًا وصولاً إلى مئتي دولار سيكون له تداعيات خطيرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الولايات المتحدة وعلى الاقتصاد العالمي ككل بحكم الترابط الوثيق بين الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأميركي. ومن هنا، فإن فهم الموقف الأمريكي يتطلب مقاربة أكثر تعقيداً توازن بين المكاسب القطـ.ـاعية والخسائر الاقتصادية الكلية، وبين الاعتبارات الجيوسياسية والقيود الاقتصادية.
الجدير ذكره في هذا الإطار، أن النفط يعد سلعة تحدد أسعاره عالميًا. بالتالي، فإن ارتفاع أسعاره بشكل كبير يؤثر سلباً في المستهلك الأميركي خصوصاً إذا ما تجاوز سعره الحد الذي يمكن للمستهلك الأميركي شراءه، حتى لو كان جزء كبير من هذا النفط ينتج محليًا في الولايات المتحدة. فالسوق الأميركية لا تعتمد سياسات الدعم التي تعتمدها دول أخرى مثل إيران التي تقدم دعماً كبيراً للمواطن الإيراني على صعيد أسعار البنزين والديزل المستهلك. ويؤدي ارتفاع كبير في أسعار الوقود إلى رفع أكلاف الإنتاج والنقل، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع إلى الحد الذي لا يحتمله المواطن الأميركي، بما يؤدي أيضاً الى ارتفاع نسب التضخم الى الحد الذي يؤدي إلى كساد وانكماش اقتصادي. وتنعكس هذه التطورات مباشرة على الأســ.ــر الأمريكية التي تضطر إلى تخصيص جزء أكبر من دخلها لشراء الوقود، ما يقلص إنفاقها على بقية السلع والخدمات، علماً بأن الاستهلاك الخاص يمثل المحرك الأساس للاقتصاد الأمريكي.
في الوقت نفسه، يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لمـ..ـواجهة التضخم، الأمر الذي يرفع كلفة الاقتراض ويؤثر سلباً في الاستثمار والنمو الاقتصادي ويرفع الدين العام الأميركي الذي تجاوز حالياً حد 39 تريليون دولار بالمقارنة مع حجم ناتج محلي يقدر بـ 27 تريليون دولار.
بناء على ذلك، فإنه إن كان هنالك عدد من الرابحين من المحيطين بدونالد ترامب من ممثلي الشركات المنتجة للنفط وشركات السـ.لاح، لكن غالبية الأميركيين تعد متضررة من الحـ.ـرب الدائرة في الخليج. وإذا كانت الحـ.ـرب بوتيرتها الحالية تشكل استثماراً رابحاً بالنسبة للولايات المتحدة عبر إبقائها أسعار النفط مرتفعة إلى حد يعود بالأرباح على الشركات المحيطة بترامب، وأقل من الحد الذي يمكن أن يدفع المواطن الأميركي إلى التمرد، فإن انـتــ.ــصـ.ـار إيران بالحـ.ـرب لن يتمثل بمقدار الدمار الذي يمكن أن تلحقه بالقواعد الأميركية في الشرق الأوسط ولا بالبنية التحتية في البلدان العربية التي توفر قواعد للولايات المتحدة، بل يتمثل بتصـ..ـعيد إيران للحـ.ــرب وإغلاق مضيق هرمز وباب المندب معاً بما يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى من 150 دولارًا وحتى إلى حد مئتي دولار، ما يوجه ضربة قاصمة للاقتصاد الأميركي ولا يعود الأمر قاصراً على أرباح تحققها شركات النفط والسـ.لاح الأميركية.

الناشر

Hamza Aafara
Hamza Aafara

shadow

أخبار ذات صلة